Articles

أردوغان وصناديق الاقتراع: أسباب الانتصار الدائم

منذ العام 2002 وإلى اليوم خاض حزب “العدالة والتنمية” 12 استحقاقاً انتخابياً. تعددت أشكال الإنتخابات، فكان بعضها برلمانياً  أو رئاسياً أو بلدياً وغيرها مجرد استفاءات دستورية، إلا أن النتيجة كانت واحدة، وهي فوز الحزب ورئيسه رجب طيب أردوغان فيها كلها. فما هو سر هذا الانتصار الدائم، ولماذا لا ينفك أردوغان وحزبه يفوزان بقلوب وعقول الأتراك في كل استحقاق انتخابي؟

“المشروع الأردوغاني” وغياب المشاريع البديلة

على الرغم من الإختلاف على مسمياته ومضمونه أو حتى تعريفاته وأصوله، لأردوغان وحزبه حسنة بارزة، وهي أنهما يملكان مشروعاً. اعتبر البعض أن هذا المشروع هو إسلامي محض، فيما ربطه آخرون بمحاولة إحياء التاريخ بعد تسميته بالمشروع “العثماني الجديد”. لم يسلم المشروع، كذلك، من إغداقه بالمديح على اعتباره حداثياً بعد تخيّل مزجه بين الإسلام ومتطلبات الدولة الحديثة. فيما ذهب آخرون بعيداً وربطوا المشروع بخلفية صوفية، أو “إخوانية”، أو حتى قومية. أما القلة، فرفضت ربطه بأي مدرسة فكرية قائمة، وميّزته من حيث المضمون والإسم، لكنها ربطت أصوله، بنسب متفاوتة، بكافة المدارس الأخرى، وسمّته اختصاراً “المشروع الأردوغاني”.

يتسم “المشروع الأردوغاني” بأنه يمزج كافة ما سبق. فحيناً يحمل حزب “العدالة والتنمية” خطاباً شعبوياً والراية القومية، وأحياناً أخرى يتكء على التاريخ لاستحضار روح الخلافة العثمانية، أو يتنقل بآراءه ذهاباً وإياباً بين مساجد “الإخوان” وتكايا الصوفيين ومقاهي العلمانيين. هذا الخلط “العجائبي” في الأفكار أعطى الحزب ورئيسه مجالاً أوسعاً في الممارسة، فتمكنا من المناورة السياسية والسطوع الإعلامي، وباتا بالتالي يؤثران على كافة فئات المجتمع وطبقاته وإثنياته، ويدغدغان مشاعرهم باستخدام الخطاب القومي حيناً أو الإسلامي – العثماني أو المدني أحياناً أخرى.

قدرة الحزب ورئيسه على استخدام هامش واسع من الممارسات والأفكار يقابله، من ناحية المعارضين، غياب أي مشروع. لا تملك المعارضة التركية، على أشكالها، حداً أدنى من المشروع، بل تمارس السياسة كردة فعل على “المشروع الأردوغاني”. إن قال أردوغان أن لبس الحجاب فرض، قالوا أنه إختيار، وإن قال أردوغان أنه حقّ، قالوا أنه تزمت. إن بنى مطاراً أو ملعباً جديداً قالوا أنه يسرف المال سداً، وإن لم يفعل شيئاً قالوا أنه متقاعس. إن بدأ بانتاج دبابة محلية الصنع[1] قالوا هذا تعسكر زائد، وإن اشترى سلاحاً من الغرب قالوا عنه ملحق به.

المعارضة التركية متنوعة بألونها كتنوع ألوان قوس قزح. منها العلماني، ومنها الإسلامي، وغيرها قومي تركي أو كردي، وأخرى، كما يُصطلح تسميتها، “مجتمع مدني”. اختلافات هذه المعارضات بالفكر والسياسة مع بعضها البعض يوازي أضعاف ما يختلف أي منها مع “المشروع الأردوغاني”.

غلب “المشروع الأردوغاني” الأحزاب الأخرى عندما سرق وظائفها ومبررات وجودها. حزبا “الحركة القومية” (حصل على 8 بالمئة في الانتخابات الأخيرة) و “الصالح” (حصل على 7 بالمئة في الانتخابات الأخيرة) اليمينيان القوميان فقدا مبرر وجودهما عندما راح حزب “العدالة والتنمية” الحاكم يستخدم، بأريحية، الشعارات والأفكار القومية، ويؤكد في كل مناسبة على هذه الأفكار ويربطها بممارساته. لذلك، بات الكثير من القوميين الأتراك يرون بـ”المشروع الأردوغاني” ممثلاً لهم ولأفكارهم. الأمر نفسه حصل مع حزب “السعادة” الإسلامي ( حصل على حوالى 2 بالمئة في الانتخابات الأخيرة) الذي فقد مبررات وجوده بعدما اعتمد الحزب الحاكم خطاباً إسلامياً.

أما حزب “الشعوب الديمقراطي” الكردي (حصل على 11 بالمئة في الانتخابات الأخيرة) ، فرئيسه مسجون، وهو حزب غير مقبول لدى عموم الأتراك، باستثناء بعض القوى اليسارية. يعمد الحزب الحاكم إلى تنمية المناطق الكردية ولحم الأخوة التركية الكردية برابطة الإنتماء للإسلام، فيخفف بالتالي من وهج “الشعوب الديمقراطي” كممثل شرعي للأكراد، ويحصل، حتى، على نصف أصواتهم الانتخابية.

يختلف حزب “الشعب الجمهوري” (حصل على 22 بالمئة في الانتخابات الأخيرة) عن أحزاب المعارضة الأخرى بحيث أنه لا يتعرض للإفشال من قبل الآخرين، إنما يُضعف نفسه بنفسه. يعود هذا الأمر إلى رفض رئيسه “كمال كيلتشدار أوغلو” التخلي عن منصبه، أو من خلال تكرار الحزب  لأدبياته الجامدة والرتيبة المتمحورة حول تعزيز القدسية حول هالات “أتاتورك” والجيش والدستور. أما “المجتمع المدني” فلا تركي يأخذه على محمل الجدّ زمن الأزمات أو الإنتخابات، إنما في الأوقات المستقطعة بين كل استحقاق وآخر.

وسعُ هامش أفكار وممارسات “المشروع الأردوغاني” أعطى حزب “العدالة والتنمية” قدرة أكبر على اجتذاب المؤيدين والحزبيين من كل حدب وصوب. بينما فقدان الأحزاب الأخرى لأي مشروع حقيقي جعلها غير قادرة على تقديم بديل حقيقي للجمهور، خاصة بعدما فقد بعضها مبررات وجوده أو لا يزال يعتمد أدبيات بات المجتمع التركي أكثر جسارة على تخطيها.

تطوير المجتمع التركي والسيطرة على المدن والإدارة

ليست الأفكار والإيديولوجيات وحدها ما جعلت من حزب “العدالة والتنمية” متربع على عرش السلطة طوال 16 عام متواصلة. بل يعود جزء كبير من تأييد الأتراك له ولرئيسه إلى أسباب لا تتخطى المشاكل والحاجات اليومية للمواطنين. إذ أنهما قاما، وبشكل مستمر، بتنفيذ تطوير شامل طال مختلف جوانب الشؤون العسكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

نظرة سريعة على الإعلام التركي تفيد، وبشكل شبه يومي، عن افتتاح مشروع حيوي ما. فحيناً تبني تركيا أكبر مستشفى حكومي في أنقرة، وحيناً آخراً تفتتح أكبر جسر معلق فوق البحر. لا يتعلق الأمر بالبنى التحتية وحسب، بل يشمل هذا التطوير الجوانب الدينية والزراعية والفنية وغيرها. المساجد الضخمة التي وضع أردوغان أحجار الأساس لها بدأت مآذنها ترتفع على تلال المدن الكبرى. وسهوب الأناضول تتلون بكافة أنواع المزروعات وأقنية الري الحديثة والسدود الضخمة[2]. كما تضج تلفزيونات تركيا بالمسلسلات والأفلام المحلية الصنع. ويستعمل الجيش التركي الأسلحة المصنّعة محلياً في مواجهاته الميدانية.

لرجال الأعمال حصة كبرى من هذا التطوير، إذ أن سياسة أردوغان الليبرالية فتحت المجال أمام ثراء الكثيرين منهم. فيما ازدهار قطاع الصناعة والعقارات والسياحة حسّن من متوسط مدخول الأتراك كافة، وجعله أكبر بأضعاف مما كان عليه قبل 16 عام. تطور هذه القطاعات عزز من انتقال الأتراك من الأرياف الأناضولية إلى المدن، وهم الذين، بشكل طاغي، أكثر تديناً، ووجدوا في أردوغان وحزبه ضالتهم لتمثيلهم سياسياً. ثم جلبوا معهم ثقافتهم وأفكارهم وانتماءهم الديني العميق، فتحولت، بالتالي، الكثير من أحياء المدن إلى “غيتوهات” لا ترفع إلا صور أردوغان على مداخلها.

على خط موازٍ من هذا التطوير الذي قاده “العدالة والتنمية” والسيطرة الشعبية الناتجة عنه، تراجع تأثير الأحزاب والأفكار الأخرى في الفضاء التركي العام. فراحت المؤسسات الإعلامية تفلس، وبخاصة العلمانية منها، الواحدة تلو الآخرى، فيما “العدالة والتنمية” يعمد إلى شراءها عبر رجال أعمال يدورون في فلكه. ثم كانت الضربة القاضية لجماعة “فتح الله غولن” بعد محاولة الإنقلاب عام 2016، والتي نتج عنها خسارتهم لمؤسساتهم الإعلامية، والتي باتت في يد الدولة أو معروضة في المزاد العلني، فيما الشاري الوحيد هم أصدقاء الحزب الحاكم.

طردُ أنصار الجماعة من المؤسسات القضائية والأمنية والتربوية أفرغها من الموظفين، وزاد نسبة الشغور فيها. الأمر الذي سمح للحزب الحاكم بضم قسم كبير من الأنصار والمقربين إلى الإدارات العامة، دون أن ينسى ترك قسم من هذه الوظائف، وخاصة الرئيسية منها، للجماعات الصوفية ومن يدورون في فلكها[3]، فكسب الحزب الحاكم بالتالي ولاءها الإنتخابي.

نظرية المؤامرة والدفاع عن “المظلومين”

عدا عن الأفكار والممارسات، يلعب الوهم دوراً كبيراً في انتصارات حزب “العدالة والتنمية”. الإعلام التركي المرئي والمكتوب، كما الكثير من الإصدارات السياسية، تساهم في خلق نظريات متعددة الأشكال بين الأتراك، والتي تفيد أكثريتها بأن هناك دوماً مؤامرة ما تحاك ضد بلادهم[4].

هذه السردية المعممة في دول العالم الثالث لها وقع كبير في تركيا، كما لها جمهور يعيد بثها وتأطيرها بأشكال مختلفة. استطاع أردوغان وحزبه إقناع فئات كبيرة من المجتمع بأن هناك عدواً خفياً هم اليهود حيناً والماسونية أو الغرب أو جماعة “فتح الله غولن” أحياناً أخرى، ولا عمل لهم سوى إضعاف تركيا. كما استطاع الحِكم، ومن يمثله، من إقناع عدد لا يُستهان به من الأتراك بأن أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” هما القوى الوحيدة القادرة على التصدي لـ”المؤامرات”.

الفكرة المعممة عن “المؤامرات” تفيد بأن أردوغان وحزبه يهدفان إلى الإعلاء من شأن بلادهم، لكنهم ينسبون كل فشل في تحقيق هذا الأمر إلى أعمال خارجية تسعى إلى زعزعة استقرار تركيا أو حضورها الإقليمي أو عملتها المحلية[5]. كما إستطاع الحكم التسويق لمظلويته وجرأته في التصدي للأخطار التي تحاك، واستفاد بالتالي من نسبة مؤيدين كثر ربطوا حضور وقوة بلادهم ببقاء الحكم كما هو ورفده كل مرة بالمزيد من الأصوات والقوة والشرعية.

 بالإضافة إلى ذلك، تؤثر المواقف الخارجية لأردوغان وحزبه على الجمهور. وهما يدركان أهمية استغلال كل أزمة تطال المسلمين في العالم لكسب المزيد من الشعبية، فيقدمون أنفسهم كمشروع خلاصي “لكل المظلومين في العالم”[6]. لذلك، عندما يدافع أردوغان عن مسلمي ميانمار أو الأقلية الإيغورية غرب الصين، أو يتخذ مواقف عدائية ضد إسرائيل ومؤيدة للفلسطينيين، أو ينتقد اليونان وهولندا وفرنسا لأنها لا تسمح للمسلمين ببناء المزيد من المساجد، فإن الهدف هو، في العمق، محلي أكثر مما هو دولي، ويُراد منه كسب المزيد من المتعاطفين في الداخل التركي.

ختاماً، ان الإستغلال الذكي لأزمات العالم الإسلامي المتتالية، والسياسات الاجتماعية والاقتصادية الناجحة، كما وجود “مشروع أردوغاني” وغياب أي بديل عنه، تساهم كلها في فوز أردوغان وحزبه في كل انتخابات يخوضانها. وهذا ما حصل في الإنتخابات النيابية والرئاسة الأخيرة، حيث فازا بشكل سهل نسبياً على كل القوى المعارضة الأخرى، وهو الأمر المرجح حصوله كذلك في أي انتخابات قادمة في المدى المنظور.

[1] Yildirim G. (2018), ‘Altay tanks to be produced quickly, within Turkey’, Anadol Agency, retrieved from: https://www.aa.com.tr/en/todays-headlines/altay-tanks-to-be-produced-quickly-within-turkey/1128470

[2] Turapoğlu Z. (2018), Türkiye 727 olan baraj sayısını 5 yılda ikiye katlayacak, Anadolu Agency, retrieved from: https://www.aa.com.tr/tr/turkiye/turkiye-727-olan-baraj-sayisini-5-yilda-ikiye-katlayacak/962533

[3] Torun, A. (2018), Fetullah Gülen Cemaati Out Menzil Tarikatı In, Nokta Haber Yorum, retrieved from: http://noktahaberyorum.com/fetullah-gulen-cemaati-out-menzil-tarikati-in-arzu-torun.html

[4] Hammoura, J. (2016), The Supreme Mind, Genies and the Dollar Bill: Turkey and Conspiracy Theories, MEIRSS, retrieved from: http://meirss.org/the-supreme-mind-genies-and-the-dollar-bill-turkey-and-conspiracy-theories/

[5] Gumrukcu, T. (2018), Turkey’s Erdogan lashes out at investors over tumbling lira, REUTERS, retrieved from: https://www.reuters.com/article/turkey-currency-erdogan/update-2-turkeys-erdogan-lashes-out-at-investors-over-tumbling-lira-idUSL8N1RP3CC

[6] AHABER (2018), Dışişleri Bakanı Çavuşoğlu: Tüm mazlumlar Erdoğan kazansın diye dua ettiler, retrieved from: https://www.ahaber.com.tr/gundem/2018/06/25/disisleri-bakani-cavusoglu-tum-mazlumlar-erdogan-kazansin-diye-dua-ettiler